الشيخ محمد هادي معرفة

87

التفسير الأثرى الجامع

والكلام في « عسى » أكثريّا - حيث جاءت في كلامه تعالى - هو الكلام في « لعلّ » جاءت لتبيّن أنّ المقدّم ، من المقتضيات القريبة لحصول التالي . كقوله تعالى : وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ « 1 » . حيث كانت للتوبة شرائط أخر يجب توفّرها لتقع موقع القبول . وقولهم : ومعناه الترجّي في المحبوب ، والإشفاق في المكروه « 2 » ، يريدون نفس المعنى الّذي ذكرناه ، فحيث كان المقدّم أرضيّة صالحة لنبات شيء محبوب أو نبات شيء مكروه ، جاز استعمال « عسى » فيه ، دلالة على هذا الاقتضاء والصلاحيّة ، إن محبوبا أو مكروها . وتأتي بقيّة الكلام - في عسى - عند الآية 216 من سورة البقرة ، إن شاء اللّه . قوله تعالى : تَشْكُرُونَ قال الثعلبي : اختلف العلماء في ماهيّة الشكر : [ 2 / 1846 ] فقال ابن عبّاس : هو الطاعة بجميع الجوارح لربّ الخلائق في السرّ والعلانية . [ 2 / 1847 ] وقال الحسن : شكر النعمة ذكرها ؛ قال اللّه تعالى : وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ « 3 » . [ 2 / 1848 ] وقال الفضيل بن عياض : شكر كلّ نعمة ألّا يعصى اللّه بعد تلك النعمة . [ 2 / 1849 ] وقال أبو بكر بن محمّد بن عمر الورّاق : حقيقة الشكر : معرفة المنعم ، وأن لا تعرف لنفسك في النعمة حظّا بل تراها من اللّه - عزّ وجلّ - ؛ قال اللّه تعالى : وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ « 4 » . [ 2 / 1850 ] ويدلّ عليه ما روى سيف بن ميمون عن الحسين : إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قال : « قال موسى عليه السّلام : يا ربّ كيف استطاع آدم أن يؤدّي شكر ما أجريت عليه من نعمك ؛ خلقته بيدك وأسجدت له ملائكتك وأسكنته جنّتك ؟ فأوحى اللّه إليه : إنّ آدم علم أنّ ذلك كلّه منّي ومن عندي ، فذلك شكر » « 5 » . [ 2 / 1851 ] وعن إسحاق بن نجيح الملطي عن عطاء الخراساني عن وهب بن منبّه قال : قال

--> ( 1 ) التوبة 9 : 102 . ( 2 ) مغني اللبيب لابن هشام 1 : 151 . ( 3 ) الضحى 93 : 11 . ( 4 ) النحل 17 : 53 . ( 5 ) روضة الواعظين ، الفتّال النيسابوري : 473 ، الشكر للّه ، ابن أبي الدنيا : 70 .